الفوائد المتبادلة 2010

منتدى يجمع علومك ليبلغها و يجمع علوم غيرك لتتعلمها
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولمركز تحميل لرفع الصور

شاطر | 
 

 كيف احاسب نفسى

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
اوتااااااااااار
مشرف
مشرف
avatar

تاريخ التسجيل : 13/06/2010

مُساهمةموضوع: كيف احاسب نفسى   الأربعاء نوفمبر 24, 2010 5:05 am

سؤال:كيف أحاسب نفسي؟
المحاسبةنوعان:
النوع الأول: قبل العمل,وهو أن يقف عن أول همه وإرادته، ولا يبادر بالعمل حتى يتبين له رجحانه على تركه.
قال الحسن رحمه الله: رحم الله عبدًا وقف عند همه، فإنكان لله مضى، وإن كان لغيره تأخر.
النوع الثاني: محاسبة النفسبعد العمل، وهو ثلاثة أنواع:
أحدها: محاسبتها علىطاعة قصرت فيها من حق الله تعالى.
وحق الله في الطاعة ستة أمور وهي:
1- الإخلاص في العمل.
2- النصيحة لله فيه.
3- متابعة الرسول فيه.
4- حصول المراقبة فيه.
5- شهود منه الله عليه.
6- شهود تقصيره فيه بعد ذلك كله.
الثاني: أن يحاسب نفسهعلى كل عمل كان تركه خيرًا له من فعله.
الثالث: أن يحاسب نفسهعلى أمر مباح، أو معتاد: لم فعله؟ وهل أراد به الله والدار الآخرة؟ فيكون رابحًا،أو أراد به الدنيا، فيخسر.
سؤال:هل المحاسبة هي أول درجات تأديب النفس؟
الجواب: لا، هناكاثنتان قبلها وثلاث بعدها، كما سيأتي:
درجاتالمرابطة:
لما علم أرباب البصائر أنه لا ينجيهم من العذاب إلا طاعةالله، وقد أمرهم الله بالصبر والمرابطة فقال: }يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا{ [آل عمران: 200]، فرابطوا أنفسهمأولاً بالمشارطة، ثم بالمراقبة، ثم بالمحاسبة، ثم بالمعاقبة، ثم بالمجاهدة، ثمبالمعاتبة. فكانت فهم في المرابطة ست مقامات، وأصلها المحاسبة، ولكن كل حساب يكونبعد مشارطة ومراقبة، ويتبعه عند الخسران المعاتبة والمعاقبة.
المقامالأول: المشارطة:
اعلم أن التاجر كما يستعين بشريكه في التجارة طلبًاللربح، ويشارطه ويحاسبه، كذلك العقل هو التاجر في طريق الآخرة، وإنما مطلبه وربحهتزكية النفس؛ لأن بذلك فلاحها، قال تعالى: }قَدْأَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا{ [الشمس: 9 – 10]. وفلاحها إنمايكون بالأعمال الصالحة، فالعقل يحتاج أن يشترط شروطًا على النفس ويجزم عليها، ثملا يغفل عن مراقبتها لحظة، فإنه لو أهملها لم يرَ منها إلا الخيانة، ثم بعد الفراغينبغي أن يحاسبها، فإن هذه تجارة ربحها الفردوس الأعلى، فتدقيق الحساب مع النفسأهم كثيرًا من تدقيقه في أرباح الدنيا.
فإن كل نفس من أنفاس العمر جوهرة نفيسة لا عوض لها، يمكنأن يشترى بها كنز من الكنوز لا يتناهى نعيمه.
فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح ينبغي أن يفرغ قلبهساعة لمشارطة النفس، فيقول لها: ما لي بضاعة إلا العمر، وهذا اليوم الجديد قدأمهلني الله فيه، ولو توفاني لكنت أتنمى أن يرجعني إلى الدنيا يومًا واحدًا حتىأعمل فيه صالحًا، فاحسبي أنك قد توفيت، ثم قد رددت، فإياك ثم إياك أن تضيعي هذااليوم.
وقد قال بعضهم: هب أن المسيء قد عفي عنه، أليس قد فاتهثواب المحسنين؟ أشار به إلى الغبن والحسرة، قال تعالى: }يَوْمَيَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ .......{ [التغابن: 9]، فهذه بوصية لنفسه في أوقاته.
لذا ينبغي أن يتقدم إلى كل عضو بوصية تليق به، ولا يسماالعين فيحفظها عن النظر إلى ما لا يحل النظر إليه، أو إلى مسلم بعين الاحتقار،ويشغلها بما فيه ربحها، وهو النظر إلى ما خلقت له من عجائب صنع الله تعالى بعينالاعتبار، والنظر إلى أعمال الخير للاقتداء، والنظر في الكتاب الله تعالى، وسنةرسول الله r، ومطالعة الكتب النافعة.
كذلك يوصي اللسان بأن ينشغل بما خلق له، من الذكروالتذكير، وتكرار العلم والتعليم، وإرشاد عباد الله تعالى إلى طريق الله، وإصلاحذات البين، إلى غي ذلك من الخير. وعليه أن يشترط على نفسه إن خالفت شيئًا من ذلكأن يعاقبها.
ثم يستأنف وصيتها في وظائف العبادات التي تتكرر في اليوموالليلة، وأن يستكثر من النوافل، وهذه شروط يفتقر إليها كل يوم إلى أن تتعود النفسذلك، فيستغني عن المشارطة.
وعليه أن يشترط على نفسه الاستقامة فيما يمر به، ويحذرهامغبة الإهمال، فإن النفس بالطبع متمردة عن الطاعات، ولكن الوعظ يؤثر فيها، قالتعالى: }وَذَكِّرْفَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ{ [الذاريات: 55]، فهذه محاسبة قبلالعمل، أما قوله تعالى: }وَاعْلَمُوا أَنَّاللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ{ [الذاريات: 55]، فهذه للمستقبل.
المقامالثاني: المراقبة:
أن يلزم المسلم نفسه بمراقبة الله تعالى في كل لحظة حتىيتم لها اليقين بأن الله مطلع عليها، وبذلك تصبح شاعرة بالأنس في ذكره، واجدةالراحة في طاعته، معرضة عما سواه، وهذا معنى إسلام الوجه في قوله تعالى: }وَمَنْأَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ{ [النساء: 125]، وهو عين ما دعا إليهالله تعالى في قوله: }إِنَّ اللَّهَ كَانَعَلَيْكُمْ رَقِيبًا{ [النساء: 1]، وقوله r: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» [رواهالبخاري ومسلم].
وهو نفس ما درج عليه السابقون الأولون من السلف الصالح؛إذ أخذوا به أنفسهم حتى تم لهم اليقين، وها هي ذي آثارهم تشهد لهم:
1- قيل للجنيد رحمه الله: بِمَ يستعان على غض البصر؟
قال: بعلمك أن نظر الله إليك أسبق إلى ما تنظره.
2- قال ابن المبارك لرجل: راقب الله يا فلان، فسألهالرجل عن المراقبة، فقال له: كن أبدًا كأنك ترى الله عز وجل.
وأنشد بعضهم:

إذا ما خلوت الدهر يومًا فلا تقل
"





خلوت ولكن قل: علىَّ رقيب


ولا تحسبن الله يغفل ساعة






ولا أن ما تخفي عليه يغيب


ألم ترَ أن اليوم أسرع ذاهب






وأن غدًا للناظرين قريب


لذا ينبغي أن يراقب الإنسان نفسه في الطاعة، فإن كان للهأمضاه، وإلا تركه وهذا هو الإخلاص، ومراقبته في المعصية بالتوبة والندم والإقلاع،ومراقبته في المباح تكون بالشكر على النعم وبالصبر على البلايا.
وقال وهب بن منبه في حكمة آل داود: حق على العاقل أن لايشغل عن أربع ساعات:
ساعة يناجي فيها ربه، وساعة يحاسب فيها نفسه، وساعة يخلوفيها مع إخوانه الذين يخبرونه بعيوبه، وساعة يخلي بين نفسه وبين لذاتها فيما يحل،فإن هذه الساعة عون على تلك الساعات، وهذه الساعة لا ينبغي أن تخلو من الذكروالفكر، لأن الطعام الذي يتناوله، فيه من العجائب ما لو تفكر فيه كان أفضل من كثيرمن أعمال الجوارح.
المقامالثالث: المحاسبة:
قال تعالى: }يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْلِغَدٍ{ [الحشر: 18]، قال ابن كثير رحمهالله في تفسيره: أي: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وانظروا ماذا ادخرتم لأنفسكممن الأعمال الصالحة ليوم معادكم، وعرضكم على ربكم.
وهذه الآية تدل على وجوب محاسبة النفس، لأن الله يقولفيها: لينظر أحدكم ما قدم ليوم القيامة من الأعمال: أمن الصالحات التي تنجيه، أم منالسيئات التي توبقه؟
قال قتادة: «مازال ربكم يقرب الساعة حتى جعلها كغد».
والمقصود: أن صلاح القلببمحاسبة النفس، وفساده، بإهمالها.
لذا نجد أن المؤمن أسير في الدنيا، يسعى في فكاك رقبته،لا يأمن شيئًا حتى يلقى الله عز وجل، يعلم أنه مأخوذ عليه في سمعه، وفي بصره، وفيلسانه، وفي جوارحه.
لذا قال الحسن: «لا تلقى المؤمن إلا يحاسب نفسه: ماذاأردت تعملين؟ وماذا أردت تأكلين؟ وماذا أردت تشربين، والفاجر يمضي قدمًا لا يحاسبنفسه».
وقال قتادة في قوله تعالى: }وَكَانَأَمْرُهُ فُرُطًا{ [الكهف: 28] أضاع نفسه، ومع ذلك تراه حافظًا لمالهمضيعًا لدينه. لذا قيل: من ملك نفسه عز، ومن ملكته نفسه ذل.
وقال الحسن: «إن العبد لا يزالبخير ما كان له واعظ من نفسه، وكانت المحاسبة من همته». وقال ميمون بن مهران: «لايكون العبد تقيًا حتى يكون لنفسه أشد محاسبة من الشريك لشريكه، ولهذا قيل: النفسكالشريك الخوان، إن لم تحاسبه ذهب بمالك».
لذا اعلمي أن العبد كما ينبغي أن يكون له وقت في أولالنهار يشارط فيه نفسه، كذلك ينبغي أن يكون له ساعة يطالب فيها نفسه في آخر النهارويحاسبها، كما يفعل التجار في الدنيا مع الشركاء في آخر كل سنة أو شهر أو يوم.
ومعنى المحاسبة أن ينظر في رأس المال، وفي الربح، وفيالخسران، لتتبين له الزيادة من النقصان، فرأس المال في دينه الفرائض، وربحهالنوافل، وخسرانه المعاصي. فحق على الحازم المؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يغفلعن محاسبة نفسه، والتضييق عليها في حركاتها وسكناتها وخطراتها وخطواتها؛ لأن إهمالالنفس خسران عظيم، وإنما يظهر له حقيقة هذا الخسران يوم التغابن، وهذه حال أهلالغرور: يغمض عينيه عن العواقب، ويتكل على العفو، فيسهل عليه مواقعة الذنوب. لذاكان عمر رضي الله عنه إذا جن عليه الليل يضرب قدميه بالدرة «عصًا» ويقول لنفسه:ماذا عملت اليوم؟ وأبو طلحة رضي الله عنه لما شغلته حديقته عن صلاته خرج منها صدقةلله تعالى.
وحكي عن الخنف بن قيس أنه كان يجيء إلى المصباح فيضعإصبعه فيه حتى يحسن بالنار، ثم يقول لنفسه: يا حنيف ما حملك على ما صنعت يوم كذا؟ما حملت على ما صنعت يوم كذا؟
هكذا كان الصالحون من هذه الأمة يحاسبون أنفسهم علىتفريطها، ويلومونها على تقصيرها، يلزمونها التقوى، وينهونها عن الهوى عملاً بقولهتعالى: }أَمَّامَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَهِيَ الْمَأْوَى{ [النازعات: 40 – 41]، فالمؤمنون قوم أوقفهم القرآنفكان لهم قائدًا وحال بينهم وبين هلكتهم، فعلى العبد أن يحاسب نفسه كلما أحسبالنقصان، ويعينه على ذلك معرفته أنه كلما اجتهد فيها اليوم استراح منها غدًا،ويعينه عليها أيضًا معرفته أن ربح هذه التجارة سكنى الفردوس، والنظر إلى وجه الكريمسبحانه.
المقامالرابع: معاقبة النفس على تقصيرها:
مهما حاسب نفسه، فلم تسلم عن مقارفه معصية، فلا ينبغي أنيهملها؛ بل ينبغي أن يعاقبها عقوبة مباح كما يعاقب أهله وولده، هكذا كانت عادةسالكي طريق الآخرة.
وقال بعضهم: دعوت نفسي إلى الله، فأبت علىَّ واستصعبت،فتركتها ومضيت إلى الله. وقال آخر: أول وصال العبد للحق هجرانه لنفسه.
المقامالخامس: المجاهدة:
وهي أن يعلم المسلم أن أعدى أعدائه إليه هو نفسه، وأنهابطبعها ميالة إلى الشر، تحب الراحة، وتنجرف مع الهوى.
لذا على المسلم أن يعلن عليها الحرب فإذا أحبت الراحةأتعبها، وإذا رغبت في الشهوة حرمها، وإذا قصرت في طاعة عاقبها ولامها، ثم ألزمهابفعل ما قصرت فيه، يأخذها بهذا التأديب حتى تطمئن وتطهر وتطيب، وتلك غايةالمجاهدة، قال تعالى: }وَالَّذِينَ جَاهَدُوافِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا{ [العنكبوت: 69]، وقال r: «خير الناس من طال عمره، وحسن عمله» [رواه الترمذي]. وقد يشق عليكمجاهدة نفسك، ولكن المجاهد طريق أكيد لعلو النفس وشرفها، وقد يطول بك الأمرفاصبري، لذا قال ابن المبارك: إن الصالحين كانت أنفسهم تواتيهم على الخير عفوًا،وإن أنفسنا لا تواتينا إلا كرهًا. وقال عمر بن عبد العزيز: أفضل الأعمال ما أكرهتعليه النفوس، وسبيلك في ذلك أن تسمعها أخبار المجتهدين.
فهذا على رضي الله عنه يتحدث عن أصحاب رسول الله r فيقول: «والله لقد رأيت أصحاب محمد r وما أرى شيئًا يشبههم، كانوا يصبحون شعثًا غبرًا صفرًا قد باتوا سجدًاوقيامًا، يتلون كتاب الله يراوحون بين أقدامهم وجباههم، وكانوا إذا ذكر الله مادواكما يميد الشجر في يوم الريح، وهملت أعينهم حتى تبل ثيابهم».
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: لولا ثلاث ما أحببتالعيش يومًا واحدًا: الظمأ لله بالهواجر، والسجود له في جوف الليل، ومجالسة أقوامينتقون أطاييب الكلام كما ينتقى أطاييب التمر.
وكان أحدهم يقوم حتى تتورم قدماه من طول القيام، ويبلغمن الاجتهاد مبلغًا لو قيل له: القيامة غدًا ما وجد مزيدًا.
ومن أنفع أسباب العلاج: أن تطلب صحبة عبدٍ من عباد اللهمجتهد في العبادة، فتلاحظ أقواله وتقتدي به.
إلا أن هذا العلاج قد فقد في هذا الزمان فقل من يجتهد فيالعبادة اجتهاد الأولين، فهنا ينبغي أن يعدل من المشاهدة إلى السماع.
وإياك أن تنظر إلى أهل عصرك، فإنك إن تطع أكثر من فيالأرض يضلوك عن سبيل الله.
وحكايات المجتهدين غير محصورة، وإن أردت مزيدًا فعليك بالمواظبةعلى مطالعة كتاب «حلية الأولياء»، وبالوقوف عليه يستبين لك بعدك وبعد أهل زمانكفتذكر أن الكفار لم يهلكوا إلا بموافقتهم لأهل زمانهم، حيث قالوا: }إِنَّاوَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ{ [الزخرف: 23].
المقامالسادس: معاتبة النفس وتوبيخها:
اعلم أن لازمتها بالتوبيخ والمعاتبة كانت نفسك هي النفساللوامة، ورجوت أن تصير النفس المطمئنة. كان أحد السلف يخاصم نفسه في المسجد،يقول: اجلسي، أين تريدين؟ أين تذهبين؟ أتخرجين إلى أحسن من هذا المسجد، انظري إلىما فيه، تريدين أن تبصري دار فلان ودار فلان؟! فلا تغفلن ساعة عن معاتبتها فتقوللها: «يا نفس ما أعظم جهلك».
أما تعرفين ما بين يديك من الجنة والنار؟ أما تعلمين أنالموت يأتي بغتة؟ فإن لم يكن الموت فجأة، فيكون المرض فجأة، فمالك لا تستعدينللموت؟! أما تتدبرين قوله تعالى: }اقْتَرَبَ لِلنَّاسِحِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْرَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةًقُلُوبُهُمْ{ [الأنبياء: 1 – 3]، ويحك يا نفس؛ إن كانت جرأتك علىمعصية الله مع علمك باطلاعه عليك، فما أقل حياءك! أفتظنين أنك تطيقين عذابه؟!هيهات هيهات! جربي نفسك! فاحتبسي ساعة في الشمس ليتبين قدر طاعتك. أم تغترين بكرمالله؟ فما لك لا تعولين على كرم الله تعالى في مهمات دنياك؟!
ويحك يا نفس! ما أعجب دواعيك الباطلة! فقد تكفل الله لكبأمر الدنيا خاصة، وصرفك عن السعي فيها فكذبته بأفعالك، وأصبحت تتكالبين علىطلبها، ووكل أمر الآخرة إلى سعيك فأعرضت عنها إعراض المغرور.
فما لك تسوفين العمل، أفتنتظرين يومًا يأتيك لا تعسر فيهمخالفة الشهوات؟ هذا يوم لم يخلقه الله قط، فلا تكون الجنة قط إلا محفوفةبالمكاره. كم تعدين نفسك وتقولين: غدًا غدًا؟
ولعلك تقولين: ما يمنعني عن الاستقامة إلا قلة صبري علىالآلام والمشقات، إن كنت صادقة، فاطلبي التنعم بالشهوات الصافية، ولا مطمع في ذلكإلا في الجنة.
يا نفس، أما تستعدين للشتاء بقدر طول مدته؟ أفتظنين أنزمهرير جهنم أخف بردًا وأقصر مدة من زمهرير الشتاء؟ أفتظنين أن العبد ينجو منهابغير سعي؟ هيهات! كما لا يندفع برد الشتاء إلا بالجبة، فلا يندفع حر النار وبردهاإلا بحصن التوحيد وخندق الطاعات.
ويحك يا نفس! ما أراك إلا ألفت الدنيا، فاحسبي أنك غافلةعن عقاب الله وثوابه، وعن أهوال القيامة وأحوالها، فما أنت مؤمنة بالموت المفرقبينك وبين محابك، ولذلك قال سيد البشر r: «أتاني جبريل فقل لي: يا محمد، عش ما شئت، فإنك ميت، وأحبب من شئت،فإنك مفارقه ...» الحديث [رواه الحاكم وحسنه الألباني].
أو ما تنظرين إلى الذين مضوا، كيف بنوا وعلوا، ثم ذهبواوخلوا؟ أما ترينهم كيف يجمعون ما لا يأكلون، ويبنون ما لا يسكنون، ويؤملون مالايدركون؟ يعمر الواحد دنياه وهو مرتحل عنها يقينًا، ويخرب آخرته وهو صائر إليهاقطعًا!
ولعلك يا نفس أسكرك ميل القلوب لك، وسيأتي زمان لا يبقىذكرك ولا ذكر من ذكرك، كما أتى على الذين كانوا من قبلك، }هَلْتُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا{ [مريم: 98].
فمن ذا يصلي عنك بعد الموت، ومن ذا يصوم عنك بعد الموت؟!
أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك، والقبر بيتك، والترابفراشك، والدود أنيسك، والفزع الأكبر بين يديك؟!
فتوهم نفسك بعريك وانفرادك، بخوفك وأحزانك، وازدحمتالأمم كلها حتى اكتملت عدة أهل الأرض من إنسها وجنها وشياطينها ووحوشها، تناثرتنجوم السماء، وطمست الشمس والقمر، وأظلمت الأرض، وانشقت السماء، والملائكة انحدرواإلى الأرض للعرض والسؤال، وأدنيت الشمس من رؤوس الخلائق، ولا ظل لأحد إلا ظل عرشرب العالمين، وسال العرق على الأبدان، يظل العباد في موقفهم هذا خمسين ألف سنة،وكل منهم يقول: «نفسي نفسي»، فذهب الخلائق ينادون أولي العزم ليشفعوا لهم، ولمايئسوا من شفاعتهم أتوا النبي r فسألوه الشفاعة، ثم قام إلى ربه واستأذن عليه فأذن له، وأجابه الله بتعجيلحسابهم، وإيتاء العباد كتابهم، والحساب منه العسير ومنه اليسير، ومنه التكريم ومنهالتوبيخ، إنه مشهد جليل عظيم، فنسأل الله أن ينجينا بفضله وكرمه.
تفكري الآن فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراطودقته، ثم وقع بصرك على جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفتأن تمشي على الصراط مع ثقل ظهرك من الأوزار، المانعة لك من المشي على بساط الأرض،فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك، والخلائق بين يديك يزلون، وتناولتهم زبانيةالنار بالخطاطيف والكلاليب، فيا له من منظر ما أفظعه!!
أسأل الله تعالى أن يجعلنا في اليوم من الفائزين وأنيغفر ذنوبنا.
ويحك يا نفس تزينين ظاهرك للخلق، وتبارزين الله في السربالعظائم، أهو أهون الناظرين عليك؟! أتأمرين الناس بالخير وأنت له ناسية!
وكيف تعجبين بعملك مع كثرة خطاياك.
أما تخافين إذا بلغت النفس منك التراقي، أن تبدو رسل ربكمنحدرة إليك بسواد الألوان، وكلح الوجوه، وبشرى بالعذاب؟! فهل ينفعك حينئذٍ الندم،أو يقبل منك الحزن، أو يرحم منك البكاء؟!
والعجب كل العجب، أنك مع هذا تدعين البصيرة والفطنة، ومنفطنتك أنك تفرحين كل يوم بزيادة مالك، ولا تحزنين بنقصان عمرك! ويحك يا نفس،تعرضين عن الآخرة وهي مقبلة عليك، وتقبلين على الدنيا وهي معرضة عنك!
فاحذري أيتها النفس المسكينة يومًا إلى الله فيه علىنفسه أن لا يترك عبدًا أمره في الدنيا ونهاه، حتى يسأله عن عمله دقيقه وجليله سرهوعلانيته، فانظري يا نفس بأي بدن تقفين بين يدي الله، وبأي لسان تجيبين، وأعديللسؤال جوابًا.
فإن كانت القساوة تمنعك عن قبول الموعظة، فاستعيني عليهابدوام التهجد والقيام، فإن لم تزل، فبالمواظبة على الصيام، فإن لم تزل، فبقلةالمخالطة والكلام، فإن لم تزل، فبصلة الأرحام واللطف بالأيتام، فإن لم تزل، فاعلميأنه قد تراكمت ظلمة الذنوب على قلبك، فواظبي على الاستعانة بأرحم الراحمين، واشتكيإلى أكرم الأكرمين، لعله أن يرحم ضعفك ويغيثك، فإن مصيبتك قد عظمت، واخشعي فيتضرعك، لأنه يرحم المتضرع الذليل، وجيب دعوة المضطر، وقد أصبحت اليوم مضطرة وإلىرحمته محتاجة، وقولي: يا أرحم الراحمين، يا حليم يا عظيم يا كريم، أنا المذنبالمصر، هذا مقام الفقير الضعيف الهالك، فعجل إغاثتي وفرجي، وأذقني برد عفوكومغفرتك، وارزقني قوة عظمتك، يا أرحم الرحمين.
وكان عبد الله البجلي كثير البكاء، يقول في بكائه: إلهي،أنا الذي كلما طال عمري زادت ذنوبي.
وقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: من مقت نفسه في ذاتالله آمنه الله من مقته.
وكان بعضهم يقول: إذا ذكر الصالحون فأف لي وتف.



* * * *
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
اوتااااااااااار
مشرف
مشرف
avatar

تاريخ التسجيل : 13/06/2010

مُساهمةموضوع: رد: كيف احاسب نفسى   الأربعاء نوفمبر 24, 2010 5:06 am

كان الفضيل واقعًا بالذنوب، وابن أدهم مقتولاً بالكبر،والسبتي هالكًا بالملك، والجنيد من جيد الجند، فنفخ في صور المواعظ، فدبت أرواحالهدى في موتى الهوى، فانشقت عنهم قبور الغفلة، إنما سمع الفضيل آية، فذلت نفسهلها واستكانت، وهكذا البقية تابوا وأنابوا فقالوا: }رَبُّنَااللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا{ [فصلت: 30].
أخية، إذا هممت بخير فبادري، لئلا تغلبي، وإذا هممت بشرفسوفي هواك، ولعلك تغلبين.
قال أبو زيد: كنت اثنتي عشرة سنة حداد نفسي، وخمسين سنةمرآة قلبي، ولقد أحببت الله حتى أبغضت نفسي.
وقال: ما زلت أسوق نفسي إلى الله وهي تبكي، حتى سقتهاوهي تضحك.
يا بعيدة عنهم .. يا من لست منهم، ألك نية في لحاقهم؟
إذًا اسمعي هذه الأبيات:

أنا العبد الذي كسب الذنوبا






وصدته الأماني أن يتوبا


أنا العبد الذي أضحى حزينًا






على زلاته قلقًا كئيبًا

أنا العبد المسيء عصيت سرًا






فما لي الآن لا أبدي النحيبا


أنا العبد المفرط ضاع عمري






فلم أرعَ الشبيبة والمشيبا


أنا العبد السقيم من الخطايا






وقد أقبلت ألتمس الطبيبا


أنا العبد المخلف عن أناس






حووا من كل معروفٍ نصيبا


أنا الغدار كم عاهدت عهدًا






وكنت على الوفاء به كذوبًا


أنا المقطوع فارحمني وصلني






ويسر منك لي فرجًا قريبًا


أنا المضطر أرجو منك عفوًا






ومن يرجُ رضاك فلن يخيبا


فيا أسفي على عمر تقضى






ولم أكسب به إلا الذنوبا
"

وأحذر أن يعاجلني ممات






يحير هول مصرعه اللبيبا


ويا حزناه من حشري ونشري






بيومٍ يجعل الولدان شيبًا


تفطرت السماء به ومارت






وأصبحت الجبال به كثيبا

إذا ما قمت حيرانًا ظميئًا






حسير الطرف عريانًا سليبا


ويا خجلاه من قبح اكتسابي






إذا ما أبدت الصحف العيوبا


وذلة موقفٍ وحساب عدلٍ






أكون به على نفسي حسيبا

ويا حذراه من نارٍ تلظى






إذا زفرت وأقلقت القلوبا


تكاد إذا بدت تنشق غيظًا






على من كان ظلامًا مريبا


فيا من مد في كسب الخطايا






خطاه أما آن لأن تتوبا


آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلامعلى نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.




* * * *
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
كيف احاسب نفسى
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الفوائد المتبادلة 2010 :: اسلاميات :: القرأن الكريم-
انتقل الى: