الفوائد المتبادلة 2010

منتدى يجمع علومك ليبلغها و يجمع علوم غيرك لتتعلمها
 
الرئيسيةالبوابةالتسجيلدخولمركز تحميل لرفع الصور

شاطر | 
 

 { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ }

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
ذات النطاقين
مشرف عام
مشرف عام
avatar

تاريخ التسجيل : 03/06/2010

مُساهمةموضوع: { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ }   السبت ديسمبر 18, 2010 9:25 pm

لقد ألفت أرواحنا صراعات الحق والباطل ونشأت في أجواء مشحونة من الهتافات والمقارعات ليميز الله الخبيث من الطيب , ويتضح الذي يطلب الحق , ويهتف له وبه , و إن هذا الصراع دائم وليس وليد الساعة ؛ على كافة الميادين سواء العسكرية منها أو الفكرية , وغيرها , ولكن حسبنا-بإذن الواحد الديان- أنا على طريق محمد -صلى الله عليه وسلم-.
أما أسياد الحق فأبوا إلا أن يشع نور الحق اللامع الذي يقتبس قوته من التشريع المهيمن والباقي إلى قيام الساعة ؛ وما يثار حيال المواجهات الفكرية الثقافية بين التيارين(الإسلامي والليبرالي) صورة لذلك ؛ يسير التيار الليبرالي على عادته من استغلال منبره الصحفي فيما يضرم ويكيد مع وسائله الشتى المقننة وهو ما جعله يستعدي التيار المقابل , ويستقوي بالحكومة والمؤسسات الرسمية ضده , وهم المنافقون بلا شك , ( و إن ما يرفعه المنافقون في أكثر بلدان المسلمين في وجه أهل الخير والإصلاح من أنهم دعاة شر وإرهاب وفساد , وما تجلبه وسائل الإعلام المختلفة وتدندن به على وصفهم ورميهم بهذه الأوصاف الظالمة حتى تأثرت بذلك بعض الأدمغة المخدوعة , فسقطت في فتنتهم , ورددت معهم هذا الظلم والخداع , وبالتالي تعرض أهل الخير للأذى والنكال باسم المصلحة الشرعية ومكافحة الإرهاب والفساد , وذلك بعد أ ن تهيأت أذهان المخدوعين من المسلمين لهذا الخداع والتلبيس ) (1) .
ولكن انبرى لهم ما انبرى من الدعاة و العلماء و الكتاب المحافظين على سفينة الحق ليوضحوا ويردوا ويقارعوا الشبه والشهوات , ولكن ثمة توصيفات خرجت بحسن نية تتهم هذا العصر( أو على الأقل هذه الحقبة البسيطة) بانهزام الحق و فشو الباطل , وطغيان الأفكار المستوردة , وتغريب السواد الأعظم من المجتمع مما يجعل هناك قوالب عدة تبث روح الانهزامية واليأس , بل ويظهر بعض العبارات لتطبيع ذلك تصدر من سُراة الطائفة المنصورة تؤيد أن ما يريده أهل التغريب سيكون مهما كانت المدافعة , وهذه لم تكن محل توفيق وإن كنا نقول بحقها ولكنها جاءت مبكراً , وأخشى من مثل ذلك أن تبعث دواعي الانهزامية والتقاعس في العمل والمقارعة , والتسليم بفشل الجهود ضد أبواق العلمانية وأذيالها ؛ وقد قال محمد أحمد الرشد : ( ومن العوائق : الهزيمة النفسية أمام كثافة نقد المتهجمين , حتى إنه ليظن بنفسه السوء ) (2), و واعجباه من المقولة العمرية التي ندعو للتأمل فيها حين قال –رضي الله عنه-:( يعجبني الرجل إذا سِيمَ خطة ضيم أن يقول : "لا" بملء فيه ), لا بد أن تكون (لا) في واقعنا شيئاً ملموساً , فحين يُراد بنسائنا التحرير المفترى ف(لا) ! , وحين يُراد بمنابع الخير التجفيف , وتضييق عنق الزجاجة ف(لا) ! , وإننا إن أردنا أن نوصل للأجيال مفاهيم الحق ومعانيه علينا أن نكرس في ذواتنا معالم هذا الدين وثوابته وسنن الله -جل وعلا-, وأن نسبر تلكم المبشرات الإلهية والنبوية , وقصص الغابرين , وحكايات الأولين , وتجارب المغيرين , فهي أشهى ما يشبع جوعة دعاة الحق لاسيما في هذه المرحلة , قال تعالى: ( يُرِيدُونَ أَن يُطْفِؤُواْ نُورَ اللّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللّهُ إِلاَّ أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ{32} هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) , قال ابن كثير –رحمه الله-: (يحاولون أن يردوا الحق بالباطل , ومثلهم في ذلك من يريد أن يطفئ شعاع الشمس بغية وكما أن هذا مستحيل فذلك مستحيل ) (3), وإن هذا العداء قائم من قيام صوت الحق وأعدائه هم من الكفار والمنافقين , و(إن الإسلام لم ينكب في ناحية من نواحي العالم ولم يخسر في جانب دولة إلا وقامت له دولة في جانب آخر ولم تسقط الراية إلا وخفقت له راية أخرى ولم يغب له نجم إلا وطلع له نجم آخر) (4) .
وإلى جانب ذلك قفد عرف عقلاء الغرب كنه هذا الدين , وجوهره أكثر من المتمسكين به , وياليت قومي يعلمون ما في جُعبة القوم تجاه هذا الدين , وقد صرح بالازار –ديكتاتور البرتغال السابق-في مؤتمر صحفي قائلاً : (إن الخطر الحقيقي على حضارتنا هو الذي يُمكن أن يحدثه المسلمون حين يغيرون نظام العالم , فلما سأله أحد الصحفيين : لكن المسلمين مشغولون بخلافاتهم ونزاعاتهم , فأجابه : أخشى أن يخرج منهم من يوجه خلافهم إلينا) (5) . (إن الإسلام بالذات كان ثورة تحريرية ,حررت الفكر كما حررت الروح . حررت الفكر من الوهم والخرافة ووجهته إلى تنمية الحياة في الأرض ) (6) .
إن لأتباع هذا الدين مزية في بذلهم وتضحياتهم مدى حياتهم لأنهم يناضلون من أجل الحق والحقيقة , فلا تواكل ولاتراجع , ولاتساقط , بل حتى الجراح المثعبة عقيب الحروب والغزوات لم تأخذ فرصتها في الشفاء حتى كان بلسمها معركة وغزوة أخرى , ( والناظر في أحداث التاريخ منذ آدم –عليه الصلاة والسلام-إلى يومنا هذا فإنه يجزم أ لا مكان فيه للعاجز القابع , وأن الثقات العاملين في سباق وتنافس للوصول إلى الغاية العليا وهي رضا الله تبارك وتعالى ) (7) .
ثبت في الصحيحين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- قال : ( لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم إلى يوم القيامة ) , وهذا حقيقة فيما مضى وما سيأتي أنه لن يذل من لزم هذه الطائفة , وإن اختلف الشراح فيما هيتها ولكن عموم الأدلة تصب فيمن لزم الحق وناضل فيه .
إن من المسلمات لنا في هذه الحياة كمسلمين أن النصر لنا ولو بعد حين , وأن الله لا يرضى بمثل ما أعداء الله عليه من التدبير والتخطيط لطمس معالم الدين , ونسف مناهجه , وبالتالي فإنه مهما يكن على المؤمن من هم وغم , وما يلج قلبه من إشفاق على أمته , فحتماً سيُحقق موعود الله في نفسه تفاؤلاً وحياة جديدة , قال تعالى : ( وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ{171} إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ) .{172} الصافات .
فالوعد واقع وكلمة الله باقية إلى قيام الساعة , وقد يسأل سائل عن الهزائم والوقائع التي ألمت بأهل الحق و الإيمان على مدار الزمان وهل هناك تعارض بينها وبين ما وعد الله به أنبياءه وأتباعهم ؟
ليعلم القاصي والداني أن وعد الله قاض , و ما يحدث كله بتقديره -جل وعلا- وسنة التدافع مما سنها الله في الأرض قال تعالى : ( وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )الحج40 , وبالتالي فإن أهل الإيمان يقووا مع الضربات ويزيدون تترساً بمثل ذلك ومع هذا فهم في دائرة النصر والتمكين , وما يكون من تأخر في النصر , أو ضرر يلحق إلا من الخير الذي يسوقه الله لهذه الأمة , فإن كانت في المعارك فالله يريد أن يصطفي , ويختار شهداء , ويختبر المؤمن من المنافق , وأما على مدار الساحة الفكرية فالبقاء على الطريق الحق لا يستطيعه سوى من يحمل هم الأمة , ولا يخاف في الله لومة لائم , ولأن الرضى بالدنيا , وتمييع المسلمات والإغراق في الدنيا , وتغيير المبادئ , وتحوير المصطلحات قد صار سمة عند بعض من كان له قدم سبق في الإصلاح والتغيير فهنا ينبغي للمؤمن الاستمرارية في سؤال الله الثبات , والنصر , والتوفيق و الهداية .
قال تعالى :{إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ }غافر51 , إن النصرة في الدنيا قد تكون مؤجلة وقد تؤخر لحكمة يعلمها الله وقد تتضح لبعض عباده المؤمنين , أما النصر في الآخرة فلا شك ولا جدال في نجاة المؤمنين كما سبق في الآية الكريمة .
ومع هذا ها أنت ذا تقر أقول الحق -تبارك وتعالى- :{وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ }آل عمران139 ؛ لتختار العلو الذي اختاره الله للمؤمنين , وإن هذا العلو اختاره الله لأهل الإيمان لأنه لا يستحقه سواهم , ولا يصمد عليه غيرهم , ولن يتمكن من الدفاع عنه إلا هم . قال السعدي –رحمه الله-:( ولا تهنوا وتضعفوا في أبدانكم , ولا تحزنوا في قلوبكم ... بل شجعوا قلوبكم وصبروها , وادفعوا عنها الحزن ...وذكر تعالى أنه لا ينبغي ولا يليق بهم الوهن والحزن , وهم الأعلون في الإيمان , ورجاء نصر الله وثوابه , فالمؤمن المتيقن ما وعده الله من الثواب الدنيوي والأخروي لا ينبغي منه ذلك , ولهذا قال تعالى : (وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ) (8) . قال سيد-رحمه الله-معلقاً على الآية: (...فأنتم الأوصياء على هذه البشرية كلها , الهداة لهذه البشرية كلها , وهم شاردون عن النهج , ضالون عن الطريق . ومكانكم في الأرض أعلى , فلكم وراثة الأرض التي وعدكم الله بها , وهم إلى الفناء والنسيان صائرون , فإن كنتم مؤمنين حقاً فأنتم الأعلون , وإن كنتم مؤمنين حقاً فلا تهنوا ولا حزنوا , فإنما هي سنة الله أن تصابوا وتصيبوا , على أن تكون لكم العقبى ...) (9).
أي جيل الحق ! (إن المؤمن هو الأعلى , الأعلى سنداً و مصدراً فما تكون الأرض كلها ؟ وما يكون الناس؟ وما تكون القيم السائدة في الأرض ؟ والاعتبارات الشائعة عند الناس ؟ وهو من الله يتلقى , وإلى الله يرجع , و على منهجه يسير ) (10).
لقد امتلأ جو القرآن بالبشائر وآيات التفاؤل بالنصر والتمكين وذكر قصص الغابرين و مآلات المكذبين , ومواقف أهل الإيمان والصبر , ووعوده جل وعلا التي كانت بلسماً لجروح نازفة , ولا شيء مثل القرآن قال -جل وعلا-: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ }محمد35 .
إن للثبات على المبادئ , وديمومة الدعوة ضريبة , ولكن ما تثمره أوفى وأعظم من الانهزامية , و لاشك أن أنشودة المغيرين والمؤثرين بالحق للحق النصر والعاقبة الحسنى العاجلة والآجلة, والتناغم بهذه المعاني أورثت جبالاً من الإيمان في صدورهم لا يستطيع زعزتها أحد من الخلق مهما بلغ , ومهما كان إلا أن يشاء الله بشيء من عنده , و هم في العادة أقدر الناس على مواجهة الناس , والأخذ بأيديهم لما فيه خيرهم الديني , والدنيوي , وعادة ما (يثق الناس في الثابت الراسخ , ويعظم أثره فيهم , حيث إنه يشيع فيهم الطمأنينة إلى حاله والركون إليه , بينما القَلِق المتقلب قلما يُركن إليه ويوثق به, وهو عامل خوف واضطراب فيمن حوله من الناس ) (11) .
وقد يقول قائل هذا في حق جهاد المعارك , ونقول إن الجهاد في سبيل الله معناه واسع فجهاد بالسنان والبيان واللسان والجنان قال تعالى : {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ }التحريم9 , وقال سبحانه :{وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ }العنكبوت69, وإن هذا عام في حق كل من وقف حارساً لدين الله عند أي باب يُراد الدخول منه .
إن للمؤمن سلوة وهو يعاود إبحاره في نصوص الوحيين ليستلهم معاني النصر والتمكين , فعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم -: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها مازوى لي منها ) رواه مسلم ,وهاهو قد بلغ المشرق والمغرب ولا زال في انتشاره , فهو كالشمس الشارقة التي تسطع على أهل الأرض شيئاً فشيئاً ؛ ويعضد رجوع الإسلام وهيمنته على الأرض , ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:( والذي نفسي بيده ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها ) رواه البخاري .
وقد روى الألباني في صحيح الجامع برقم (3814) , عن أبي هريرة –رضي الله عنه-قال : قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : (طوبى لعيش بعد المسيح , يؤذن للسماء في القطر , ويؤذن للأرض في النبات , حتى لو بذرت على الصفا لنبت وحتى يمر الرجل على لحية الأسد فلا يضره ويطأ على الحية فلا تضره ولا تشاح ولا تحاسد ولاتباغض ) .
وأيم الله إنه لدين حق , ولا يدخل في قلب مؤمن ريب في ذلك ولكن قد يخيم على القلب شيء من فقدان الأمل أو الفتور وهذا طبيعي وقد ذكره الله في القرآن على أن يكون حادي التفاؤل والإيمان ساري , قال تعالى : (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ }يوسف110.
والسنة حبلى بكثير من القصص والمواقف والمبشرات وإن عدت بعضها من علامات الساعة كظهور المهدي وغزو الدجال وقتله بيد عيسى بن مريم –عليه الصلاة والسلام-.
وإن هذه الأزمنة المليئة بهذه الصراعات حري على العبد أن يحتسب كل ما يُصيبه ويؤذيه , ويكن مؤمناً بما عند الله , و نسوق بشرى له حيث لا يضيع أجر المؤمن , وصبره وضيمه , فلقد قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ( إن من ورائكم زمان صبر للمتمسك فيه أجر خمسين شهيداً منكم) . صحيح الجامع (2234) .
وقد يساء فهم بعض النصوص والأحاديث من حيث اليأس والقنوط , ولكنها تحمل على محامل تفاؤلية كثيرة , فحديث الغربة مثلا ًدال على قوة الحق وبقائه على ما بدأ , واستمرار الغرباء في الأرض وإن أصاب أهل الإيمان بعض البلاء والقهر في مكان ففي مكان آخر سيكون موسع عليهم , وإن ضاق عليهم في زمان فسيفرج عنهم في زمان آخر.وهكذا .
(ولذلك يجب أن نفرق بين هذه الغربة , وبين الغربة الأخيرة المستحكمة التي تكون قبيل قيام الساعة , والتي يدرس فيها الإسلام كما يدرس وشي الثوب , وتضيع معالم الدين جملة ... وقد يحدث لبعض الشرائع غربة زمان , بحيث تكاد تندرس ثم يحييها الله بالمجددين , بعدما تغربت في الأرض كلها ) (12).
(ولكن برغم ما أُصيب به المسلمون من علة وضعف فإنهم هم الأمة الوحيدة على وجه الأرض , التي تعد خصيم الأمم الغربية وغريمتها ومنافستها في قيادة الأمم , ومزاحمتها في وضع العالم , والتي يعزم عليها دينها أن تراقب سير العالم وتحاسب الأمم على أخلاقها وأعمالها ونزعاتها , وأن تقودها إلى الفضيلة والتقوى , وإلى السعادة والفلاح في الدنيا والآخرة , وتحول بينها وبين جهنم بما استطاعت من القوة , والتي يحرم عليها دينها ويأبى وضعها وفطرتها أن تتحول أمة جاهلية . هذه هي الأمة التي يمكن أن تعود في حين من الأحيان خطراً على النظام الجاهلي الذي بسطته أوروبا في الشرق والغرب وأن تحبط مساعيها ... فرسالة العالم الإسلامي هي الدعوة إلى الله ورسوله والإيمان باليوم الآخر , وجائزته الخروج من الظلمات إلى النور , ومن عبادة الناس إلى عبادة الله وحده , والخروج من ضيق الدنيا إلى سعتها , ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام , وقد ظهر فضل هذه الرسالة وسهل فهمها في هذا العصر أكثر من كل عصر , فقد افتضحت الجاهلية وبدأت سوآتها للناس , واشتد تذمر الناس منها , فهذا طور انتقال العالم من قيادة الجاهلية إلى قيادة الإسلام , ولو نهض العالم الإسلامي , واحتضن هذه الرسالة بكل إخلاص وحماسة وعزيمة , ودان بها كالرسالة الوحيدة التي تستطيع أن تنقذ العالم من الانهيار والانحلال) (13) , وبالتالي فإن الدعاة والمصلحين والعلماء المسلمين على اختلاف تخصصاتهم(كل في شأنه) هم أحق من يقف مع هموم الناس , وأولى من يكون رجل العامة , وله الصدارة في تقنين المستوردات , ومعرفة الصالح والفاسد , وأقول ذلك بلا مبالغة , وهو لمن ارتضى الإسلام منهجاً , لا كما يدعي لكع اليوم بأنه يريد الإصلاح وهو من المفسدين .
(ولكن الطريق أمام الصحوة ذاته مملوء بالعقبات .مملوء بالأشواك مملوء بالعثرات .مملوء بالوحوش الضارية تتلقف السائرين فيه لتفتك بهم أول فأول , لأنها تعلم جيداً أنها إن لم تفتك بهم اليوم فغداً يسدون عليها الطريق ....وحين يحققون العقيدة الصحيحة في ذوات أنفسهم , ويحققون المنهج الصحيح في واقع حياتهم , تجري السنة بقدر الله , وينتصر الإسلام في المواجهة الحاضرة بينه وبين الجاهلية , ويتغير وجه الأرض , ولكن العقيدة ينبغي أن تكون في صفائها كله , وفي بهائها كله , وفي ألقها كله , لتحدث في واقع الأرض الفارق الحقيقي الذي يلمسه الناس في صورته الأخاذة) (14) .
لذا يتوجب الإصلاح المدافعة وبذل المهجة في سبيل هذا الدين والدعوة إليه والمنافحة له , ورد الشبهات والشهوات و المصابرة في ذلك , والعاقبة للمتقين , وقد روى حذيفة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ( والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف , ولتنهون عن المنكر , أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه , ثم تدعونه فلا يُستجاب لكم ) رواه الترمذي وحسنه. وعن أبي عبيدة عن ابن مسعود مرفوعا : ( لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا فجالسوهم في مجالسهم و واكلوهم و شاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض ولعنهم على لسان داود وعيسى ابن مريم { ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } . وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم -متكئاً فجلس فقال : لا والذي نفسي بيده حتى تأطروهم على الحق أطرا ) رواه أحمد.

ولأبي داود:( ثم يلقاه من الغد وهو على حاله فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض ثم قال : { لعن الذين كفروا من بني إسرائيل على لسان داود ) إلى قوله : ( فاسقون ) ثم قال : كلا والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً), زاد في رواية { أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعننكم كما لعنهم } وروى الترمذي وابن ماجه هذا المعنى , وقال الترمذي حسن غريب .
( فهل يعي المسلمون خطورة مكانهم ومكانتهم ودورهم المهيأ لهم ؟ وهل يستطيع المسلمون إعطاء صورة صادقة عن هذا الدين مما يجعل بعض النفوس التي أراد الله لها الهداية أن تقبل على الإسلام ..) (15) .
وإن هذه الدعوة لا تخص الرجال فحسب بل هي موجههة حتى للشق الآخر , والعبء عليهن ليس بالهين , حيث أنا نجد المنافقين قد نصبوا أنفسهم الدنيئة أوصياء على المرأة , ووجود المرأة المثقفة في وسط النساء داعية وكاشفة لمخططات المغرضين له الأثر الأعظم من ذلك الأثر الذي يُضيفه الرجل , (لاسيما مع تدخل ذوو الوجاهة والمنصب في عقر دار النساء بأفكار وخيمة تصادم المبادئ , والمعتقدات الأصيلة) , يقول أبو الأعلى المودودي-رحمه الله-, وهو يوجه خطابه للأخوات المثقفات بباكستان : (يتحتم على أخواتنا المثقفات بصفة خاصة وله من بعض الوجوه من الأهمية في الظروف الراهنة ما ليس لأي واجب غيره , وهو أن يقمن في وجه ذلك التيار الجارف من الضلال والانحلال الفكري والخلقي الذي تدفع إليه نساء الطبقة المتفرنجة عامة نساء باكستان ... فعلى أخواتنا المثقفات ألا يتركن القيام بهذا الواجب إلى الرجال فحسب , فإنهم عندما ينبهون عامة نساء باكستان على خطر هذا التيار ونتائجه الوخيمة , يصيح المغرضون ويضللون النساء بقولهم لهن : إن هؤلاء الرجال إنما يريدون أن يستعبدوكن ويفرضوا عليكن سيادتهم ولا يرضون أبداً أن تخرجن من جدار بيوتكن و لا تـتـنسمن الحرية والاستقلال ولا ترين النور بحال ...) (16) , ونحن نقر -بفضل الله- بوجود الفاضلات المناضلات , والفائدة منهن مرجوة ومحمودة , وإن كانت تجربة باكستان تشكو من المتفرنجات فإن شكواننا من بني جلدتنا الذين اُستؤجروا من القوى الخارجية ليهدموا صومعة الإسلام , ويكسروا بيضته , وإن لم يكن هذا مادياً فلسان الحال والمعنى ينطق ويصيح بذلك , وهو بعيد عنهم ذلك (هدم الإسلام) بقوة الله عز وجل ومنعته . والسابر لتحليلات المستشرقين والمتابعين ومراكز الدراسات يوقن بهذا جيداً , فقد قال أحدهم :( إن الشعلة التي أوقدها محمد-صلى الله عليه وسلم- لهي شعلة غير قابلة للإنطفاء ) (17) .
وبالفعل من أمعن النظر في خلفه –عليه الصلاة والسلام- يجد النضال والاستمرارية فيما يؤمنون به و يعتقدونه ويدعون له , ومن ثم التفاؤل رغم المحن والمصائب , و لو لم تنقل لنا عبر الأثبات و الأسناد لشككنا في ذلك ؛ لأن ذلك لا يُعقل إلا ممن اعتقد أن النصر مع الصبر , والعاقبة بالحسنى للمؤمنين , قال ابن القيم عن شيخ الإسلام–رحمهما الله-: ( وعلم الله ما رأيت أحداً أطيب عيشاً منه قط مع ما كان فيه من ضيق العيش , وخلاف الرفاهية والنعيم , بل ضدها , ومع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرهاق , وهو مع ذلك من أطيب الناس عيشاً وأشرحهم صدراً وأقواهم قلباً وأسرهم نفساً . تلوح نضرة النعيم على وجهه وكنا إذا اشتد بنا الخوف , وساءت منا الظنون وضاقت بنا الأرض , أتيناه فما هو إلا أن نراه ونسمع كلامه فيذهب ذلك كله , وينقلب انشراحاً وقوة ويقيناً وطمأنينة ) (18).
إن التاريخ يُعيد نفسه , ويذكرنا بالماضي العريق الذي سطره السلف الصالح في سبيل توسعة رقعة الإسلام , ومدافعة الباطل وأهله في كل مصر وبلد , وهو مليء بالمشاهدات والمواقف التي لا ينسى ضيمها العدو المبين , حتى وهو في حالة إرعاده وإزباده ..

كل أمجاد أمة ذكروها فهي من روح مجدنا ورقات
كلما لاح في ذرى الغرب نجم حجبته شموسنا الساطعات(19)

(لقد صمد الإسلام في حياته المديدة , لما هو أعنف وأقسى من هذه الضربات الوحشية , التي توجه اليوم إلى طلائع البعث الإسلامي في كل مكان . وكافح –وهو مجرد من كل قوة غير قوته الذاتية-وانتصر وبقي .. وهو مجرد من السلاح .
فهؤلاء المماليك الذين حموا البقعة من التتار , ومع أنهم من التتار ولم يكونوا من العرب , لكن صمدوا في وجه بني جنسهم لأنهم مسلمين بقيادة روحية , وقيادة في مقدمة الصفوف من الإمام المسلم (ابن تيمية) , والإسلام هو الذي كان في ضمير صلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس , والمظفر قطز , والملك الناصر ...هو الذي كافح التتار المتبربرين , وهو الإسلام هو الذي كافح في الجزائر مئة وخمسين عاماً ...بعد أن تحطمت مقوماتها الممثلة في اللغة والثقافة... والإسلام هو الذي هب للسودان في ثورة المهدي الكبير على الاحتلال البريطاني ...والإسلام هو الذي كافح في برقة وطرابلس ضد الغزو الطلياني..).(20)
إذاً فهذا هو ديننا يسير بالحق ومع الحق , ويأبى الله أن ينخفض ويذل أهله لأنهم الأعلون الذي أعلى الله شأنهم في الدنيا والآخرة , وهنا وهناك يبقى على أولئكم الطائفة جهاد باق ودائم بكل معانيه ضد كل باغٍ ومعتد , فمن حمل السلاح حُمل له مثله , ومن حمل القلم , واللسان , و حتى العداء النفسي وهو يريد هذا الدين العظيم حُمل عليه بمثل ذلك وأكثر ( واغلظ عليهم) , ونحن نستمطر قوة الله ونصرته , وإن تأخر ذلك فالله حكيم عليم , المهم الإقرار بالعلية , والانتباهة من الغفلة , والسير ولو في الدلجة ... اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك-صلى الله عليه وسلم- ..اللهم انصر من نصر الدين واُخذل من خذل الدين .. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر خير يُعز فيه أهل طاعتك ويُذل فيه أهل معصيتك , ويؤمر فيه بالمعروف , وينهى فيه عن المنكر . آمين .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
ابراهيم عيسى
إدارة عامة
إدارة عامة
avatar

تاريخ التسجيل : 18/03/2010

مُساهمةموضوع: رد: { وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ }   الأربعاء ديسمبر 29, 2010 11:23 pm



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
{ وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ }
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
الفوائد المتبادلة 2010 :: اسلاميات :: القرأن الكريم-
انتقل الى: